لمسيرة المهنية لعبير الصغير

لم تكن عبير الصغير تخطط في بداياتها لتكون "شيف" محترفة بالمعنى التقليدي للكلمة. بدأت رحلتها الحقيقية في عالم صناعة المحتوى مع منصة "تيك توك" (TikTok) في أوائل عام 2021، وهي الفترة التي تزامنت مع ذروة جائحة كورونا (COVID-19) وإجراءات الإغلاق العام. في تلك الأوقات، وجد الملايين أنفسهم محاصرين داخل منازلهم، وكانت عبير واحدة منهم. بدلاً من الاستسلام للملل، قررت استغلال وقت فراغها ومطبخها المنزلي لتجربة وصفات جديدة. كانت في البداية تركز على محتوى الموضة وتنسيق الملابس، لكن الحجر الصحي دفعها لاستكشاف مواهبها الكامنة في الطهي، محولة المطبخ إلى مساحة للتجريب الفني.

نقطة التحول الرقمي

كانت البداية مع وصفات بسيطة وحلويات سهلة التحضير. تذكر عبير أن أول فيديو حقق انتشاراً واسعاً وغير متوقع (Viral) كان فيديو بسيطاً جداً لصنع "المارشميلو مع البسكويت"، حيث قامت بتصويره ونشره دون ظهور وجهها. حصد الفيديو آلاف المشاهدات في الساعات الأولى، وهو رقم كبير بالنسبة لحساب مبتدئ، مما أشعل شرارة الحماس بداخلها. هذا التفاعل الفوري دفعها لتجربة وصفات أكثر تعقيداً وابتكاراً، مثل تقديم الكنافة التقليدية بلمسات عصرية (كنافة بالكيندر، كنافة بالقشطة)، والتي لاقت استحساناً كبيراً وشجعتها على الاستمرار وتطوير المحتوى.

Vibes over Recipes

أدركت عبير مبكراً أن المنافسة في عالم الطهي الرقمي تتطلب تقديم شيء مختلف عن مجرد سرد المقادير وطرق التحضير. طورت عبير أسلوباً خاصاً يعتمد على تقديم "المشاعر" (Vibes) بدلاً من التعليمات الجافة. صرحت في إحدى مقابلاتها: "أنا لا أقدم وصفات، أنا أقدم مشاعر". اعتمدت استراتيجية "المحتوى الصامت"، حيث لا تتحدث في فيديوهاتها، بل تترك للصورة عالية الجودة، والموسيقى المؤثرة، وأصوات الطهي الطبيعية (ASMR) حرية التعبير عن القصة. هذه الاستراتيجية الذكية مكنتها من كسر حاجز اللغة، وجعلت محتواها مفهوماً وممتعاً للمشاهدين في اليابان والبرازيل وأمريكا بنفس قدر جاذبيته للمشاهد العربي، مما ساهم في بناء جمهور عالمي ضخم.   

مرحلة الاحتراف لعبير الصغير

مع نمو شهرتها، انتقلت عبير من الطهي العشوائي إلى منهجية "أطباق العالم" الاحترافية. وضعت لنفسها تحدياً يتمثل في طهي الأطباق الوطنية لكل دولة حول العالم، وهو ما تطلب منها جهداً بحثياً هائلاً وشاقاً. تصف عبير مرحلة البحث بأنها الأصعب في عمليتها الإبداعية، حيث تقضي ساعات طويلة في دراسة مكونات الطبق الأصلي، وتاريخه، وأصوله الثقافية، والموسيقى التقليدية للبلد، وحتى الزي التراثي المناسب لارتدائه أثناء الطهي. هذا التفاني في الدقة الثقافية واحترام تراث الشعوب جعل مواطني تلك الدول يشعرون بتقدير كبير لها، وعزز من مصداقيتها كـ "سفيرة ثقافية".

التحديات والعقبات

خلف الكواليس الباهرة، كانت عبير تواجه تحديات كبيرة. فهي تعمل كفريق متكامل في شخص واحد؛ تقوم بالتسوق لشراء المكونات، وتحضيرها، وطهيها، وتصوير العملية، ثم القيام بعملية المونتاج المعقدة بنفسها، وأخيراً إدارة حساباتها ونشر المحتوى. يتطلب هذا العمل جهداً بدنياً وذهنياً هائلاً، وساعات عمل طويلة تمتد لمنتصف الليل. ورغم التعب والإرهاق، تؤكد عبير أن السعادة التي تشعر بها عند رؤية تفاعل الناس ونجاح الفيديو تنسيها كل التعب، معتبرة أن شغفها هو الوقود الذي يدفعها للاستمرار.

التوسع الإعلامي والريادي

لم تكتفِ عبير بالنجاح على منصات التواصل الاجتماعي، بل سعت لتوسيع نطاق تأثيرها المهني.

  • الإعلام التقليدي: انتقلت من شاشة الهاتف إلى شاشة التلفزيون، حيث قدمت برنامج الطهي الخاص بها "مطبخ عبير" (Abir's Kitchen) في موسم رمضان 2023، والذي عُرض على منصات رائدة مثل stc tv وجوّي TV، مكوناً من 10 حلقات احترافية.
  • ريادة الأعمال: أسست علامتها التجارية الخاصة للأزياء "La Abirz"، مستفيدة من خلفيتها في الموضة وشهرتها في تنسيق الأزياء التراثية، لتطرح منتجات تعكس ذوقها الفني.
  • المتحدثة الملهمة: شاركت كمتحدثة رئيسية في مؤتمرات عالمية مثل "قمة المليار متابع" و"BRIDGE Summit"، حيث شاركت خبرتها في بناء العلامة التجارية الشخصية واقتصاد صناع المحتوى مع جمهور من الخبراء والمبدعين. 
Whatsapp